......

هذي ليست محاولة للاستعماء..
ولكنها محاولة لمواجهة الضعف ونوايا الهروب..

ولأننا لا نختار أين نولد وأين ننشأ، تمامًا كما لم يكن لنا الخيار في هوية أهالينا ووالدينا، وحتى نوع جنسنا.
"وصاحبهما في الدنيا معروفًا" دعوةٌ لاحترام الأصل وإن لم يرق لنا.

حب الوطن يكمن في التقبّل على مضض، والاعتراف بالمساوئ وحبّ المحاسن، ودراسة مواطن الضعف القوة..
لا تفاخرٌ أعمى، ولا ضغينةٌ عمياء..
ليس للعمى هاهنا مكان..

في وطني المساوئ تغلب المحاسن،
وقد يمكن أن يحدث هذا في أشخاص بعض من أفراد العائلة أيضًا..
فهل سأتخلّى يومًا عن أخي وإن كان سيئًا بنظري؟ وهل سأقف مع خصومه ضدّه وإن كان مخطئًا؟
أبدًا! لكن لن تكون أخوّتي صادقة إن اكتفيتُ بذلك عن نصحه وإن لم استمرّ بالدعاء له بالهداية ومناقشته واحتوائه.

كذلك إن سنحتْ لي الفرصة يومًا بالهجرة، وجاءت إليّ بأسهل ما يكون..
لا لن أقبل..

 لن أهرب ولن أتملّص من مسؤوليتي تجاه وطنٍ لم أختره، ولكن وضع حمله على كاهلي عنوة.
لا لن أبادل أبناؤه بآخرين في زواجي..

ما الوطن وما أبناؤه؟
وإن هاجرتُ أنا، فهل سيطيب خاطري؟
 وهل سأنسى من تركتُهم يعانون وأنا أعلم أنه بوسعي إشكال فرق وتغيير إن تابعتُ النضال؟
هل سأكفّ عن متابعة أخباره وأنا بجنسيّة جديدة؟
هل سأجد السلام في مكان غيره؟
هل يوجد سلامٌ في العالم أصلًا؟

لا..


لن أنعم بأمانٍ روحيّ حين لا أشاطر إخوتي هذه الآلام، وأحاول تجاوزها معهم،
أشعر بالذلّ، بالقهر والظلم..
وحرقة البكاء لا تنتهي..
لكن الجبن والاستسلام والهرب أقسى..
لن أستطيع أن أنام بسهولة بهذه المشاعر القذرة..


لا أسامح من سوّلت له نفسه بالهرب بعيدًا بحجّة عدم تلقّ احترامٍ لإنسانيّة المواطن، لأنّ الاحترام يُصنع بالداخل أولًا ليُجبر الكلّ على الخضوع لهذه الإرادة القوية في الحياة الممجّدة بالكرامة.

لن أستغني عن سماع أغاني الحبّ النابعة من مشاعر ولدت في بساطة وقسوة هذه الحياة التي نشأتُ فيها..
لن أستغني عن حبيبٍ يرقص رقصنا الشعبيّ ويتغزّل بلهجة تعيد لي ذكريات أبي..
لا أريد أن أنسى ألعابًا امتلأتْ بها طفولتي، ونكاتٍ سخرت من جهلنا..

"أرضى بقردك لا يجيك اللي أقرد منه" ؟ ربّما..

الهجرة مضيعةٌ للوقت والعمر، نشأتُ وعرفتُ أسرار هذا المكان وتعودتُ ظلمه وقسوته وأحببتُ فيه لطافته الشحيحة.
الحياة قاسيةٌ في كلّ مكان.
التفاضل موجود، لكنّ الأمان معدوم في العالم كلّه..
أحلامنا بالأمن والسلام واهية، قد أضمن السلامة وأنا في قبري أكثر منّي وأنا فوقه.

وطني مشوّه، ولكنّي لا أستطيع أن أحب أو أنتمي لغيره..
وبكائي على سوئه هو من عطفي وشفقتي وحبّي له..
سأظلّ أحتمله، وسأظلّ أشتمه، ولن يغيّر ذلك في وفائي له قيد أنملة.
ولن أخجل من ذكر انتمائي له أمام العالم، كما لن أشارك في الدفاع عنه بعاطفية غبيّة عند العجم، ولا الشتم بانتقام الناقمين أيضًا.

سأضيع إن هجرتُه، لن أتمكن من معرفة موطنٍ جديد كما عرفت موطني الأصليّ، كما لن أستطيع تغيير لون جلدي، ونظرتي للحياة التي تكوّنت من الأحداث التي مررتُ بها فيه.



وكيف أحترم ذاتي إن أنا تخليتُ عن أصلي تمامًا؟
هذه أنانيّةٌ مروّعة.. نكران الأصل يعني انعدام أي رغبة بالارتباط بأى شيء آخر.

أنا آسفة، لكنّي لا أثق بأولئك الخائنين بحجة البحث عن التقدير للإنسانيّة.
لأن الوطنيّة تُثبتُ بالتمسك حتى آخر رمق، والموت في سبيل ذلك.

إلى سعوديّتي المسكينة المضطهدة..
سأعيد لكِ مجدكِ المسلوب، ولن أتخلى عن مظلوميكِ حتى إن لم أعد منهم.
سأدرس تاريخ ما استطعتُ من الأمم، وسأزور ما استطعتُ منهم،
ونيّتي في ذلك واحدة، صفاء الذهن ونسيان أحقادي وضغائني التي أحملها تجاهك.
ولسوف أعود حاملةً لكِ هدايا ثمينة، تتمثّل في اكتشافاتي لما يجعلنا بمثل قوتهم، وحذري مما قد ينمّي ضعفنا إلى مثل ضعفهم.


أحبّكِ وإن جحدتِني..
أحبكِ وإن كنتِ سببًا أولًا في كرهي لأنوثتي..
وسأسامحكِ دائمًا بعد أن أشتمكِ في بكائي وابتهالاتي..
Links to this post


في الآونة الأخيرة كان جسدي لا يحتمل البرد. كانت تلك الرعشة والرغبة بالبكاء في الأماكن الباردة تشعرني بالضعف والذلّ والانكسار.
كان يغمرني شعورٌ مهينٌ جدًا كلما تكوّرت على نفسي في محاولة يائسة للحصول على بعض الدفء.. 
"ما هذا القرف، أنا مثيرة للاشمئزاز" صوتٌ بداخلي يردد.
كانت نقطة ضعف واضحة لكل من أراد أذيتي، في الفضاءات التي أجبر فيها على الاحتكاك بالعالم الواقعي.

تسللت هذه البرودة لتصبح أعمق من مجرد فيسيولوجيا.
تأقلمتُ مع البرودة روحيًا. إلى أن أصبحت أتقمصها، كالجثث الهامدة، كأنفاس الأشباح.
لم أعد أتذوق طعمًا للحياة، لم أعد أستسيغها. لا أشعر بشيء سوى الخوف والقلق، فقدتُ كل معاني السعادة.
لم تعد تفرحني توافه الأمور ولم أعد أضحك عليها بكل سعادة كما في السابق.
وكلما ضحكت.. تساءلت:
" لم أضحك؟ هل كان عليّ أن أضحك؟ أيجده الآخرون مضحكٌ أيضًا؟ ليتني لم أضحك".
لم أعد متشبثة بالسعادة، أصبحتُ أفلتها من يداي بكامل وعيي واختياري، وكأنها إضافة غير مهمة في هذه الحياة.

أنا في الحادية والعشرين من عمري، منذ وقت قريب كانت الحياة الحقيقية قد بدأت بالظهور لي عارية.
"هذا الرقم لا يمثلك" يعقّب على ردي ذلك الصوت الداخلي المخيف مجددًا، كلما طُرح سؤالٌ عن عمري.
وعلى مضض أحاول تقبل صعوبة الحياة، كنت أعلم أني سأضطر إلى إكمال حياتي وبالتالي مواجهتها لأني لا أجيد الاختباء.

بدأ احتكاكي الأول بالعالم الحقيقي الذي كان مبهمًا جدًا، واتضحت كم كانت تصوراتي عنه مثيرة للشفقة والضحك والاستهزاء.
لم أكن أواجه أي صعوبات مع ذاتي وهويّتي، لم تكن "أنا" مشكلة وتهديد كما هي الآن. ليس لأني بدأتُ أفقد نفسي في هذا العالم بالتعجّن والتشكّل كما يطلب مني الآخرون كمقايضة يقدمون لي فيها السلام، فأنا لم ولن أقبل الذوبان وتغيير ألوان جلدي.
ولأنني أشذّ كل الشذوذ عن هذا العالم تمامًا، وهو "لطيفٌ" بما فيه الكفاية لكي يظهر لي انزعاجه من وجودي الذي يفسد عليه التناغم الذي يظنّ أفراده أنهم ينعمون به.

في الأعماق كثير من الاعتقادات تتقاتل..
أقول ربما بقيتُ على هذه الحال كطفلة، لأني لم أتشوه بعد ولم أتّسخ، وبقيتُ بعيدة عن التشوّب بأي تأثير، باعتبار أن أيّ تأثير من الخارج سيكون سلبيًا ومؤذيًا.
وأحيانًا أخرى أقول ربما يعرضني هذا التصادم المتأخر لما يعقمني من أمراض العزلة كالتكبر والإعجاب بالنفس لعدم وجود ما ينافسها في تلك القوقعة التي لم تر أجمل منها، فظنت أنها كل الجمال الممكن للمرء أن يراه. ربما أغدو من بعده أكثر نقاءً وصفاءً.

من هنا ابتدأت زعزعة السلام الداخلي، وولادة الحزن الذي تبنّيته أخيرًا ليصبح ملازمًا لي، حيث بات يكبر وأنا مشغولةٌ بالبحث عما يقتله، إلى أن يئستُ من الخلاص منه.
للحزن احترامه الذي يفرضه جبروته وسطوته، الحزن كالمرض لا يُحلّ إلا عند توجيه الاهتمام له، والعناية بأسبابه وآثاره.
لكنه متمرد وطاغٍ، ينشر فيّ الهلع ويسلبني راحتي، فأصير فَزِعةً على الدوام وأحاول التخلّي عن نفسي الذي أصبح هو يمتلكها. في ذلك الرعب لا أستطيع التفكير بوضوح. وصوتي لا يُسمع، فهو حائرٌ ضائع وسط هذا الضجيج المخيف الذي يدوّى في صدري والذي يتسلّى بإصداره السيّد "حزن".

الذعر يستنفد صبري، فأهرب للمرآة كي أتذكر هويتي التي تكاد تنسحب مني إلى أطراف أصابعي لتضيع للأبد. في محاولتي للتشبث بها أتوسّل تلك المغرورة المتعجرفة..
"أنتِ تصدقينني، أليس كذلك؟! أنتِ تحبينني وتعرفينني منذ وقتٍ طويل!!".
لا تتجاوب المرآة بل تتابع النظر إليّ باحتقارٍ صامت. فأكرر بإلحاحٍ أكبر: "ألا تعرفين من أكون؟ بحقكِ أجيبيني!".
فترد عليّ بتمثيل صورتي فقط، وكأنها تخبرني عن نسيانها لمعناي.. "لا، من أنت؟ أنا لا أعرف سوى وجهكِ هذا".
المغرورة المتعجرفة.. جمودها وسطحيتها ليسا مجرد وصفان حسّيّان عبثيّان وحسب، إنهما من أهم معانيها أيضًا.

أتعذر بكونها ربما تستخدم أسلوبها الهازئ الجارح في انتقادي وتوجيهي لأخطائي بطريقة لا مباشرة، فأستمر بالحديث معها لساعات متواصلة راجيةً الحصول على أي رد منها. أضحك، أبكي، أستشيط غضبًا..
وبعد محاولات يومية مضنية تضيع فيها ساعات متواصلة من وقتي، أدرك بغباء أنها لا تريد مساعدتي لأنني مثيرةٌ للشفقة بالنسبة لها..
أنسحب وأنا لم أهدأ بعد، ولا زال الحزن يدمّرني ويتفنّن في نثر أشلائي وتوزيعها في مخابئ أستصعب الوصول إليها. ويهتز بفضله إيماني بكل شيء.. 
"لا بد أن أتحدث مع أحد يحبني لأحظى بشيء من الأمان!" أقول بتدارك مزعومٍ للأمر.

..

فيطرأ على ذهني حلٌ يبدو أكثر إنصافًا وجديرًا بالمحاولة: "سألجأ إلى من أشعر بصدق محبته لي".
وحيث أنه لم يتمكن أحد من منافسة ألعابي ودُماي في الحصول على تلك المكانة المميزة في قلبي، تراءى لي أنني لن أجد راحتي إلا بتواجدي معهم.
ابتساماتهم التي تبدو سخيفة بالنسبة لغيري، هي مصدر من مصادر قوتي. لا أحد يفهمهم كما أفعل أنا، لأنها رسائل إصرار وتمسكٍ بالأمل تبعثها إليّ مشاعرهم الصادقة.. 
لا يذرفون الدموع حين أحتضنهم باكية وتبدأ سيمفونية الشكوى الصاخبة الصامتة. لا أحد يسمع ما نقول لبعضنا، لنا طريقتنا الخاصة في التواصل..
يحررونني بدفئهم من كل آلامي ويزرعون فيّ أملًا جديدًا ومعنىً متجددًا للجمال.
فأهدأ ويزيد تمسكي لهم بعد إثباتاهم المتكررة على قدرتهم في شفائي، فلا أعود أستطيع أن أغطّ في النوم من دونهم.
أجد فيهم ملجأً مريحًا رسموا فيه بابتساماتهم العذبة قبولهم التامّ بي واستعدايتهم الأبدية لاحتوائي.

يكتفون بهذا القدر من المساندة التي تمدني بالقوة وشيءٍ من الصمود، ويزيد احترامي وإجلالي لقدرهم.. 
فهذا أقصى ما يستطيعون تقديمه لي، مع أنه لا يزال ذو معنى وفائدة عظيمان.
هم بجانبي منذ أن عرفتُ الحياة، ووعودهم بالبقاء حقيقية وصادقة. علاقتنا جميلة وقوية.
أشعر تجاههم بارتباط وثيق يبادلونني إياه.

يخبرونني بأعينهم المحبّة عن امتنانهم لي، لأني بتقاسمي معهم أجزاء روحي أهديتهم حياة لم يحوزوا عليها من قبل.
بهذا أصبحتُ أمهم وأصبحوا أولادي. حبّنا الشديد لا يسمح لأحد بالتدخل بيننا ولا حتى برأيه.
هذه العلاقة الوطيدة ترسم على عائلتي نوعًا من الحدود التي لا يتجاوزونها بالرغم من عشقهم لإطلاق المزحات اللامتناهية في كل الفرص المتاحة. في بيتنا فُرض تجاهل هذي العلاقة حتى لا يستثار حسّ فكاهتهم، والتراجع بصمت متى ما بدا الأمر طاغٍ في الوضوح ومثيرٌ لحسهم الفكاهيّ الممنوع مجددًا.

..

لكن ليست تلك العلاقة هي الحل لكل المشكلة. فالحزن يدفعني دائما إلى أن أصبح طفلة أتفه وأكثر جنونًا، وأحتاج إلى رعاية أم حانية..
فألجأ إلى هذه المدونة .. وانكبّ عليها بأنفاس متقطّعة من شدّة الانتحاب والأسى، فتحتضنني بقوةٍ تشلّ حركتي، كما أحتضن ألعابي تمامًا. تجعلني أصمت وتُنطق اللاوعي الذي استخدمتُه كمكبّ للنفايات من الأفكار الفاسدة التي لم تكن مقبولة لي وللغير، ولكنها نابعة من قناعة أقوى من أن أتناساها. وأصغي للمختنق المسكين وهو يتحدث، وأنا في دهشة لا يقطعها تتابع دموعي الساخنة على وجنتيّ.

يتلبسني اللاوعي كما في التنويم المغناطيسي الذي ربما يستخدمه الأطباء النفسيّون، فتنكشف أسراري الدفينة وتُسطّر على الدفاتر.. وتعيقني دموعي أحيانًا حين تبلل أوراقي وتستثير الحبر ليهرب خارج رسومات الحروف كي تتحرر تلك الأسرار.
وحين أنتهي تبتسم لي هذي الأم وتربّت على كتفي بعطفٍ سائلة: "أتشعرين بتحسنٍ الآن؟".
وتتجدد الرغبة أخيرًا في الاستمرار بالخوض في هذا العالم الغريب باندفاع قويّ.
مدوّنتي هي أكثر ممتلكاتي خصوصيّة وأشدها حميميّة لديّ. أنشرها لتقع في أىدي مختلف أنواع القرّاء وأخاف جدًا من مواجهتهم بعدها والتحدث بخصوصها معهم، لامتلائها باعترافاتي وأسراري.

..

كما تعرفتُ بعدها إلى سيدةٍ عظيمة..
كانت حولي دائمًا، ولكنّي كنت أراها مخيفة لدرجة تضطرني إلى استصعاب التعارف عليها رغم إعجابي بها.
إلى أن تشجعتُ أخيرًا..

القهوة التركيّة..
تلك السوداء الجذّابة التي يلفّها السواد بغموض، سرعان ما تكشف أستاره برضاها على شاربِيها الصبورين.
عجيبة وصامدة، لا تعطيك إلا ما تستحق. قاسيةٌ عند استغلالها، فيُكتفى بكوبٍ واحدٍ صغيرٍ منها، وتعاقب من يطمع بها ويحاول أن يتملّكها بإجبارها على اللقاء في أكثر من موعدٍ باليوم.
هي ليست متكبرة ولكنها واثقةٌ وحازمة، وقارها يكمن في حكمتها، وحكمتها تتمثل في صمتها وهدوئها.
لا تثق إلا بمن يقدّر هذه السكينة.. ولا تظهر وجهها لأحد، إلا من احتمل شدة البرد وتدرّج متأنيًا في علوّ الحرارة ببطء، محافظًا على أعصابه من الغليان والاهتياج.
علّمتني كيف أصغي لأصوات العصافير والنسمات، كما أحببتُ بسببها أصوات السيارات وإزعاج الطرقات. لأنها أرتني فيها معنىً عميقًا من معاني استشعار الحياة ودقة حركاتها الدؤوبة، والتأمّل فيما هو أكبر منّا.
تذكّرني بأنني جزءٌ صغيرٌ جدًا من عالم لن أدرك وسعه مهما حاولت. تقنعني بأرقى الأساليب أنّي لستُ محور هذا الكون.
تذيقني بمرارتها بعضًا من الآلام الكبيرة التي لا تزال تنتظرني أو قد سبقني إليها كثيرون غيري..
تلك هي معلّمتي المبجّلة..

..

يصيبني مللٌ وإحساس بالرتابة من أبناء وأم متواجدين حولي دائمًا، وجاهزون لتلقيني ومناقشتي في دروس الحياة وإتباعها بالنصائح.


..


ألجأ إلى خطّة الإثارة والجنون..
فالنصائح ليستْ دائمًا مريحة. أحتاج أحيانًا إلى التحلّل من القيود والانجراف الكليّ بتمرّدٍ ولاعقلانية.
أريد ألّا أفكر بشيء، وأن أتجرّد من كل أحاسيسي في اندفاعي بكل تهوّر.
تعرفتُ على صديقةٍ تثير فيّ حماسةً لا تنطفئ، وتشجعني على اندفاع ٍ وانطلاقٍ أكبر لأتجرأ أخيرًا على حدود تفكيري وقدرتي الجسدية. تصادقني فننسجم ونبرر لبعضنا جمال العنف والطَيش القاتل في بعض الأحيان.

الرياضة ..
تشعل فيّ رغبةٌ ملتهبة في الإنطلاق جريًا بلا توقف، والقفز كتجربة طيران فوق كل الحواجز وإن لم أضمن سلامتي في الهبوط. تشوّقني لإثبات قوّتي وتحدي مخاطر جديدة، والانتقام ممن تجرأ يومًا وأذاقني انعدام الأمن والاستقرار باستعمال قوته الجسدية.
تطلق هذه الصديقة الرائعة معي ضحكات قوية ممزوجة باغترار من يتصور لحظات انتصاره وهو لم ينتصر بعد، نصرخ سويًّا صرخات تحدٍ قاسية ومرحة في آنٍ واحدٍ يجعلنا لا نفهم عن أنفسنا شيئًا سوى أننا في قمة العالم ولكننا فقدنا عقولنا.
ننطلق بلا وجهة محددة أو نقطة نهاية، وتبدو أحلامنا كلها بمتناول أيدينا، ننسى كل المستحيل ونصل لمراحل السكر والنشوة والطرب الذين يغطّون عقولنا فنمتنع عن التفكير تمامًا. ويصفو ذهننا من كل شيء إلا الفكاهة والضحك غير المتوقف.
صديقتي التي أحب في تواجدي معها كيف أكون مختلّة عقليًا بسعادة ورضا لا مثيل لهما.



----------------------------------------------------------------------------------------------------------


أجده غريبٌ جدًا أن يكون اسمي "مريم تُــنْــكَــر"
هل هذه لعنة محقّقة؟
أم أنها هبة تميّزني؟

أشعر بعدم الانتماء لهذا العالم..
وأحاول جاهدةً أن أبحث لنفسي عن معنىً يكسبني بعض الاحترام لذاتي..
أرى في نفسي معنىً واضحًا منذ أن كنتُ صغيرة، وأسعى لتحقيقه. لكن همّتي ليست بخير مع كل هذه الظروف الجديدة..
سأحافظ على علاقتي بنفسي بالحفاظ على وعودي لها أولًا..
سأستمرّ في هذه الحياة بما يرضيني فقط..
وسأتوقف عن التحدث للمرآة الوضيعة الناكرة، وسأحافظ على ألعابي إلى آخر يوم في حياتي. وسأتابع كتابة أسراري في هذه المدوّنة وسأنشرها وأضحك لاحقًا بصوتٍ عالٍ كلما تذكرت تفاجؤي وارتباكي وشعوري بالإحراج بكلّ بلاهة حين أكتشف أن هناك من يقرؤها فعلًا، وكأن ذلك لم يكن متوقعًا.
سأظلّ بهذه الشفافية فقط لأخبر من يشعر بالوحدة والغربة، أنني أحاول جاهدةً العثور عليه لأمنحه ذلك الشعور المفقود بالانتماء..


أنا مريم
سأظلّ أشرب قهوتي وحيدة لأعيد ترتيب أفكاري دائمًا، وسأنعم بتواصلي مع أشعة الشمس الطيبة الواضحة التي لا تخبئ عنّي أي شيءٍ من هذه الحياة القاسية. لأنها كبيرة جدًا وتسعنا بحبّها المفعم الذي يجعلها تهب نفسها للكل بذات القدر والإنصاف في الاهتمام متجاهلةً كل الفروق.
كما سأتجنب الليل الأنانيّ الذي يلفّ الحياة بالوهم ويخفي أسرارها ويتستّر على عيوبها وجرائمها وبشاعتها..
سأكتفي بشتمه من شرفتي العالية وأنا أستمع للموسيقى..
ثمّ أتراجع متأسفةً له بعد الذوبان في التأمل فيه وفي رقّته. فهو الوحيد الذي آمن بجمال القمر وسعى في إظهاره للكل بكل شجاعة، وأصمت الحياة عن كل شيء وأجبرها على رؤيته هو وحده، ومنحه فرصة التألّق وحده.
تحمّل الليل لوم المتعجّلين من التافهين الذين لم يتذوقوا حلاوة التأمل في كتلة من النور الهادئ الذي تحيطه الظلال بخشوع وإجلال.

ثمّ أنامُ وبجانبي دميتي المفضّلة، وأصحو وأول ما تقابلني هي ابتساماتهم المتوزعة في أنحاء غرفتي، على المكتب وفوق الرف وبداخل دولاب ثيابي، ليحيّوني تحية الصباح الزكيّة العطرة، ويتمنون لي صباحًا سعيدًا.

وأحلم يقظةً ونومًا بلقاء Luffy الذي لن يحوز غيره على قلبي أبدًا. وأكمل حياتي بإرادة كبيرة وصبرٍ أكبر على لقائي الحقيقيّ به. وأداوم على تجديد قصّة شعري فأشعر أني لستُ فقط أحمله في قلبي..
بل أصبحتُ أنا وهو قالبًا متطابقٌ كما نحن قلبٌ واحد. لأن شعري الطويل كان الفارق الظاهري الوحيد بيني وبينه.
وأظل دومًا ألقب نفسي بالسيّدة Monkey D.Yoomi، كحفاظ على عهدي الوثيق له.

..

الواقع مملّ جدًا وقاسٍ..
وكلما ضعت فيه، سأجد انتمائي للحياة في سطور الروايات وبين صفحات الكتب، وفي مواقع التواصل الإلكترونيّ التي يسهل فيها العثور على من يشاركني اهتماماتي وهواياتي التي يقلل واقعنا المريض من شأنها.


















Links to this post


التَقطتْ هذه الصورة الرفيقة شهد حكيم، المقربة والعزيزة جدًا جدًا..
والتي أتممتُ قرائتي لهذه الرواية بحضورها الروحيّ معي، وبوعود على التوقف اليومي عند عدد صفحات معين.
شهد.. أنا أحبّك كثيرًا.
وأشكرك أجزل الشكر.. على هذه التجربة الفريدة..
وعلى كل الأشياء الكبيرة الأخرى..
شهد حكيم إنسانة رائعة..
لا، لن أبكي! أعماقي تبتسم بفضلك، ودموعي تتراجع احترامًا لرغبتك الصادقة في محوها..


...


عزيزي القارئ..
إذا كنت مهتمًا بقراءة هذه الرواية
فلتحذر الحرائق.. التي سأحدثها فيها.. بهذه السطور التالية... =))) 


ظلّ الريح - كارلوس زافون

أن تحاول أن تتخلص من وجودك لكنك لا تستطيع، فتتخلى عن أحلامك، أمانيك، هواياتك.. سعيًا لغواية الموت كي يباغتك أخيرًا.
تحاول جاهدًا.. حتى يهيم جسدك خاويًا يترنّح في الشوارع والطرقات، تهمّ بالتواري عن الأنظار، وتكتشف أن ليس لذلك داع فوجودك لم يعد يُلحظ.

أن تعيش يائسًا محطمًا، وغارقًا في حبّ وهم أحياك بإيمانك بوجوده..
هكذا تتحول إلى ظل.. أسود شاحب ومخيف!

لن يهمك سوى أن تكسح ما حولك بكل ما تحمله من ظلام كاحل السواد، تستسلم لجانبك المظلم فيحوز عليك كليًا.
أن يظل جسدك يعاندك ويلحّ عليك بالبقاء، لا جسدك يُقتل، ولا الحياة تقتلك.
أن تتمسك ببقايا ما لديك، بالانتقام المبالغ فيه لكل ما قد يؤذيه، تسبقه أنت بالانتقام خشية أن يغدو سقيمًا مثلك.
مستغنٍ أنت حتى عن ونيس لك في عزلة الظلام.

ثم ترى من يشبه ذاتك الحقيقية، ترى بصيص الأمل يلمح لك ببريق جذاب من على بعد قريب..
يشدك ويبهرك، فترخي كتفاك المثقلان بالحزن المستديم، تستسلم أخيرًا لإطلاق تنهيدة أصرّيت على عدم السماح لها بمواساتك..
يدبّ فيك الذعر حين تشعر بالحنين الذي يعيدك لعقلك ويعيد لقلبك نبضاته المستثارة ويشعل فيك حماسًا أخمدته يداك المقهورتان..

يشد حواسك استيقاظ رغبتك الشديدة بالاستمرار في الحياة. تعود لك المعاني الجميلة واضحة جليّة حتى في أسخف ما يمكن أن تقع عليه عيناك. ينحسر عن بصرك العمى الذي ادعيته وألِفته.
فتسلك نحو نفسك خطواتٍ تدفعك وتحملك بلا مشورتك لاسترجاعها ورؤيتك لها في تلك المرآة الصافية التي تتمثل في كائن هو نسخة من روحك المختنقة في أعماقك المتهالكة.
تعود قادرًا على أن تحبّ رغمًا عنك، تجد نفسك غريبةً وسط هذا الجمال، وتتمنى لو أنك تمنعها منه كعادتك..
فأنت لا تسمح لنفسك برفاهية إظهار مودتك الطاغية في هذه اللحظة.

..

هذا أنت يا خوليان.. الآن بتّ أفهمك بشكل أوضح، لسنا متشابهين كثيرا، هي أحوالنا فقط التي آلت إلى نفس المآل.
ولم تكن حقيقيًا لتراني وتتمكن من إنقاذي هذه المرة كما فعلت مع دانيال..
لكنني أشكرك من الأعماق.

----------------------------------------------------------------------------
*بعين المنطق وبتجرّد خفيف من طغيان وفيض المشاعر*

..

تجرّع الذعر الذي يحاول أبطال الرواية التعوّد عليه مستحيلٌ ومرهقٌ حتى التآكل الروحيّ. 
الموت في كل مكان، الموت قريبٌ جدًا لكنه دنيء وخسيس، يحوم حولهم بإغراءات لا تنقطع ولا يصلهم أبدًا، يستمتع بملاحقاتهم له وتقفيهم لآثاره القريبة جدًا والتي لا تُلمس مهما تماهت بمحسوسيتها.
 ينطرب الموت لتراجيهم المستميتة، فمن سيذكره من بعدهم إن هو أخذهم.

قلوبهم كالمقابر المعتمة، تختنق فيها المودة الحائرة، فتتعفن وتصدر منها روائح الحقد والانتقام والسقم الكريهة..
الهرب والجبن يتصدّران في مواجهات الذات، والقبوع في توابيت الكبرياء دائم..
الموت في الجو، في الجرائد والطرقات، وفي رائحة الطعام.. الموت لا يهبهم راحة التحول لأشباح..
الموت يمتصّ أحلامهم وإيمانهم، يحولهم إلى ظلال ليلهو بها كالدمى، ظلال تتحرك هائمة بلا وجهة، لتكمل سلسلة نشر الرعب والمقت والعذاب، والتي يستعملونها ليجبروا أحدًا على تخليصهم من أنفسهم.. "أنا دنيءٌ حقير.. هيا اقتلني". 
يقتنعون أخيرًا بأن الموت يكاد أن يكون حلمًا مستحيلًا، وتبدو الحياة وكأنها تمادت في عنادها فزادت في سنين أعمارهم. 
يخضعون لهذا الذلّ، وتصير الدناءة مقبولة في نظرهم. لا يبقى لهم ما يخسروه.

ينكبّون هم على التغذي بمرارة الانتظار، لا ينتبهون للوقت الذي تمدهم به الحياة ليتراجعوا ويستردوا أحلامهم التي نثرتها رياح الحرب. لكن ذلك ما لا يتسنى لكل أبطال الرواية أن يدركوه.
فرحل منهم من رحل وجروحه بعدُ لم تندمل!



..

خوليان رأى العنف منذ نعومة أظفاره واعتاد عليه بصره ولم يتشوه، لاقى النكران لأصله واحتقار وجوده فتجاهل كل ذلك واستمر بحياكة حكايات رواياته وتخيلاته..
خوليان تقبّل الذلّ وخضع للغربة واستسلم للانتظار.
تخلّت كل الحياة عنه، إلى أن تخلّى هو عن وجهه، أراد أن ينسى نفسه على الأقل إذ لم يستطع محوها، ثم فارق نقاوة روحه العذبة..

لكنه عاد وقاوم عناد الحياة بتخلصه من الأحقاد، وفتح ذراعيه للحب كي يتجلى في ثنايا أعماقه، فأزهر واخضر مجددًا.
تلك قصة خوليان..

فما الذي واجهته أنا كي أستسلم؟
لا شيء يُذكر.. إلا أن الجبن لذيذٌ جدًا..

بالذات مع الشابورة D; 
أمزح ههههههههههههههههههههههههههههههههههههه.  





Links to this post



أرتعد من فكرة لقائي بها، يحجبني عنها ضوء الشمس، هكذا أفضّل أن أعتقد. مما يثير الضحك الذي لا نكهة له، فتلك هي الحيلة الوحيدة التي تريحني نوعًا ما.
أحتاج لضوء الشمس كي أعيش، ولم أتعلم بعد من النباتات صمودها في الليل..

الكثير يخشون وحوشًا يتخيلونها، ولكنّي أخشى وحشًا يسكنني، ويختبئ بعيدًا في الصباح، ليستمتع بخداعي بعدم عودته.
لا أستطع تجنبه، حتى حين أغمض عيني، فظلّه يكسو أحلامي سوادًا مرعبًا إن حاولت تناسيه.

لم تفرض عليّ أي قيود، لم يتسبب أحد في صناعة هذا الوحش، هو سري الدفين الذي لم يسهل الحديث عنه بوضوح قطّ، وأنا التي لم أتقن التكتم عن مشاعري يومًا ولم أعتد الحفاظ على أسراري أبدا.
بات عجزي عن فهمه وحل لغزه، يبقيانه بمأمن يضمن له إقامة مديدة مريحة في داخلي، حيث ينشر عتمته بتجبر وتكبر..

تقبلتُ وجوده، حتى وجدتُ فيه شيء من الانتماء، فصرت أختبئ فيه حين يكسوني الجبن وأبرر لنفسي بأن لا ضير في هذا الهروب المريح إذا ما كان مؤقتا. لكن شيئا غاب عن إدراكي..
كانت نفسي تتحول..

في البدء ارتدتْ ملابس ثقيلة نُسجت بخليط رهيب من القلق والشعور بالعجز والحقد والانتقام واليأس.
تلبّستني هذه الملابس وأصبحتُ أعتاد ثقلها الذي بدأ يمتص روحي بخفة وبطء، إلى أن صرتُ أشعر بالنقص من غيرها..
توغّلتْ فيّ تلك الثياب وأصبحتْ مخيطة بلحمي، وصارت ذلك الجزء مني، الذي كنت أغذيه بتمسكي به، إلى أن كبر وطغى ظهوره علىّ.. صار ينافس وجودي، ويزداد قوةً باستسلامي.

"ماذا تريدين؟!" أصرخ بغير قصد أحيانا، رغم رغبتي الشديدة في التماسك والحفاظ على رباطة جأشي المزعومة..
كانت تعذبني ببطء، وتتشوق لسماع انتحابي المختنق، ولم أكن أنا لأسمح لنفسي بالاعتراف بالهزيمة التي حاولت نسيانها.

أحببتها رغم كرهها لي، راجية أن تعتبرها هدنة لأحظى ببعض السلام..
ويبدو لي الآن أن قلب تلك المعادلة، هو الحل الوحيد لإبطال هذه الشعوذة.. 
لكنني جبانة، أفضّل ترك المسألة للوقت، متظاهرة باقتناعي أنه كفيل بحل القضية..
بينما أنا في الحقيقة في انتظار دفعة أكبر.. 
دفعة كفيلة بأن تودي بحياتي..




Links to this post




في دفتري المنهك، المثقل بأسراري..
دفتري المنسيّ، الذي سيعذب من يقرؤه بعد رحيلي كمحاولة يائسة للتمسك بأي جزء منّي،
أضيف له جزء آخر من عذاباتي..




التقطتُ هذه الصورة وأنا أشعر أن كل عناصرها مجتمعة، تمثل شعوري برضًا خالص وقناعة بأن لا شيء ينقصني.


...


"صباح الخميس 
25 أغسطس من عام 2016 الميلادي
22 ذو القعدة من عام 1437 الهجريّ
لقد كبرتُ كثيرًا .. وهذا متعب جدًا.

لن يبقى لي من يبرر أخطائي، سأحتملها وحدي، ولن يحق لي الرد والتحجج بأي عذر.
وسأبقى متيقظة وراضخة، وأنا في انتظاري للعقوبات الوخيمة التي ترسلها إلي أفعالي، كمفاجآت مستقبلية.

كنت قد تجهزت لمشاهدة مسلسل رسومات أقابل فيه بطلي الخيالي المفضل، لأستمتع بشيء من الضحك وشيء من الهيام بالتأمل في وجهه، الذي لم أجد في غيره كل تلك المعاني الشريفة.
لطالما أحببت أن أكتفي بالتوهم بأن تلك الرسمة هي أيضا حية بفضل المعنى الذي أراه يتجسد فيها فقط، وأحلم في الخفاء بأن تغدو يومًا من لحم ودم.

كما أصبحت قراءة الروايات تزعجني بجمالها، وأشعر بالفتور عقب استمتاعي بها، واستعجل بتحصيل معانيها المختبئة واستنباطها ومفعولها السريع على أفكاري.. لا وجود للصبر، أكاد أقتل نفسي بلا سبب واضح.

يضايقني عقلي بصحوته، وهو يردد بخفية، قوانين الترفيه التي أدرك عدم منطقية فرضها على نفسي.
لم أستطع إجبار نفسي على مشاهدة شيء، لا رغبة لي في الترويح عني نفسي، لا أقتنع بضرورية هذه الفكرة مهما حاولت..

الترفيه ليس كافيًا لإسعادي، أستمتع بالجدية فقط، تكفيني هزلية شخصيتي.
أريد دروسًا صريحة، لا أريد إثارة وضحك، لا فائدة من هذا أبدا في رأيي.

يتردد صوت أبي كثيرا حولي، أصبحت أتوهم سماعه في كل مكان، وحين أسمعه، أصدق كليًا أنه عاد للحياة.
الحياة جادة جدا، وأنا النقيض.. ربما لسنا لائقتان ببعضنا."

أتذكر بتفاجؤ! أنني أكتب بقلم رصاص.
لا يمكنني المتابعة هكذا، لأنني سأحتاج أن تبقى هذه الكلمات محفوظة بعناية.
أكمل الكتابة بحبر جاف، متجاهلة التفكير بما سأسببه من ألم لمن سينبش في ذكرياتي،
لن أهتم، ففي الرحيل الأخير، سيحق لي أن أكون أنانية.
فنحن دائما ما نرحل بأنانية.. 
الرحيل فكرةٌ أنانية..

أتابع الكتابة في دفتري، ويسوؤني احتفاظي لهذا الكم الهائل من الذكريات الخاصة. لا أتمنى أن ينساني العالم، ولكن لا أريد أن أتسبب لأحد بالأذى.

"رتبت غرفتي بحسب ما رأيته لائقًا، تناولت فطورًا لائقًا، مظهري يبدو لائقًا.
عليّ إكمال هذه السلسلة بالبهجة الـ"لائقة" أيضًا..
أشيح ببصري نحو نافذة غرفتي، أحاول عبثًا أن أركز ناظريّ على النور الذي تبعثه أشعة الشمس بسخاء، محاولةً إظهار امتناني لها..

أشعر بالفراغ.. وتلك الأشعة، تعقّم روحي السقيمة التي لا تنفك تمقتني وتتغذى على كآبتي.
تلك الأشعة تمدني بأمل زائف، وتغمرني بحب مؤقت، فأتوهّم كثيرًا وأتأمل أكثر..
وتبدو كل أحلامي بمتناول يدي، ولا يبدو لي أن هناك أسهل من تحقيقها.

ينقطع حبل أفكاري بعد تساؤل مضنٍ.. "متى أكف عن اللحاق بمعايير حددتها بأبعد ما يكون عن قدرتي؟"

لست مضطرة لأن أكون سعيدة عن طريق المضي وفق خطة محكمة، اتفق الكل على إنهائها بعبارة "وعاشوا بسعادة وهناء".
قالوا أن الشقاء هو بمثابة حجر أساس بناء السعادة.
لكن بعد أن ينتهي الشقاء، لا أجد أن السعادة قد أتت بعد، ويطول التيه في خوض الانتظار..
 ربما لم أتمكن من ملاحظتها لانشغالي ببغض نفسي التي أقودها للجنون، حتى تستسلم وتلجأ للقلم، كمفر وحيد.

أتساءل: 
"هل سيكذب القلم حين يحركه الكاذبون برغبتهم الحرة في بعثرة كلماتهم؟"
"هل ستشهد تلك المساحات الورقية البيضاء زورًا إن ملأها سيئو الأخلاق بحديثهم المتراكم؟"
"هل هذان الاثنان هما أدوات الصدق السحرية الوحيدة؟"

لا يهم..
لكني لا أتذكر أني قد كتبتُ شيئًا يومًا، دون بكاء مرير"

Links to this post


https://www.youtube.com/watch?v=rxc7JOtI_Fg



...


كنت في مكة -مسقط رأسي الذي لم أعد أعيش به- بغرض زيارة المسجد الحرام.
كنت ألهو في الأسواق الشعبية المحيطة بالحرم الشريف، سعيدةٌ بكل ما كان تافهًا واعتياديٌّ بنظري يومًا،
وفي غمرة تلك السعادة، وقعت عيناي على سيدةٍ عجوز،
أحسست بدفء يغمرني بنسمة تبعثها إليّ هيأتها الرقيقة المهيبة، بلا استيعاب من صاحبتها.
نظرها كان مستقرًّا على الطريق والسيارات، تراقب بصمت وفي عينيها فراغ، كانت تبدو وكأنها في حلم لا يبدو أن ضجيج الشارع الشعبي قادرٌ على قطعه.

غارقةٌ، كأنها تصب تركيزها كله في اللا شيء.
 وبين كل هذه التفاصيل، كانت تبدو آسرة الجمال، وكان استقرار نظرها وهدوئها بين تلك الفوضى، أقرب للوحة فنية، جعلت ذهني خاليًا تمامًا من الأفكار.
مجرد عجوز، جالسة، تفتقر ملامح وجهها إلى أي تعبير يساعدني على قراءتها.
لم أصدق تلك الأحاسيس التي انتابتني، وبالأخص ذاك الشعور الدافئ الذي غمرني في تلك اللحظة.

استرعيت انتباه أمي وأختي مشيرةً إليها، لأتأكد من "صحة" مشاعري وعدم مبالغتي:
"أليست بغاية الجمال؟"
 فأجابتا بنفس اندهاشي:
"بلى، جميلةٌ جدًا جدًا"، اطمأننت لردهما كثيرًا.
مازحتهما بشأن رغبتي في التقاط صورةٍ لها، فدار نقاش ضميريّ وأخلاقيّ شائك، وكانت نهايته أني قلت:
"من الممكن أنها ستكون فكرة أجمل لو أنّي استأذنتها في أن تُلتقط لي صورة معها"،
تجيب أمي: "اذهبي إليها حالًا، لا تفوّتي الفرصة! هذه نصيحتي لكِ!".

وهكذا تأكدت من وجود ذلك الشيء الغامض الذي شدّ ثلاثتنا إليها!

ترددت كثيرًا، وتخيلت كم سيكون ذلك الفعل مشينًا، فمن ذا الذي يتجرأ على التقليل من شأن الآخرين ومعاملتهم كقطعٍ فنية جميلة وحسب؟!
وأخيرًا قررتُ أن ذاك الرأي ليس سديدًا أبدًا، كما أوهمت نفسي بأنها "ستسيء" فهمي، وكأن جزءًا مني لم يكن مقتنعًا بسوء تلك الفكرة كليًا.
وبينما أنا أتخبّط في أفكاري، وأحاول اتخاذ قرار ما يعيدني لصوابي، لمحتها تترك مكانها.
شعرت بالذعر! لا أريدها أن تبتعد، كنت متأكدة أن ثمة شيء ما سينقصني إن هي رحلت.
تولّد لدي شعورٌ قويٌ بأن حياتي تعتمد كليًّا على تلك اللحظة، وبداخلي أصوات كثيرة متداخلة وصارخة، ولا أزال أراها تبتعد، وكانت خطواتها بطيئة متثاقلة، لكن بصري كان مخدوعًا، كنت أرى خطواتها سريعة جدًا وأنها سوف تفلت مني.
حتى إذا مرّت من أمامي، وجدت نفسي أندفع نحوها وأمسك بيديها، فالتفتتْ نحوي، وكأنها كانت تنتظرني.
هالني ذلك الموقف، تعجبت من عدم تفاجؤها بي، وكنت قد تعديت على خصوصيتها بلمسها.
وجدتُ نفسي بلا كلمات تنقذني، لم أدرِ ماذا أقول، فحاولت تدارك الوضع قائلة: "كيف حالك.. يا خالة؟"،
وجّهت نظرها نحوي بعينين متسعتان، متعبتان، وكأنها ناجٍ من غريق في حالة شرود وتركيزٍ مفقود. أشعرتني بالضياع التامّ، وبسرعة بادرتنا بالسؤال وهي تمد إلينا بطاقةً مهترئة: "هل تعرفون أين يقع هذا الفندق؟".
وهنا اتضحت قصة العجوز التي التقيناها في حوالي الساعة الثانية ظهرًا، حيث كانت قد تاهت بعد انفصالها عن حملتها من بعد صلاة الفجر حتى وقت لقائنا، ولم تحمل معها أي مالٍ لتستقل به سيارة أجرة، لأنها لم تتوقع أن يؤول بها الأمر إلى هذي الحال، ففقدت الأمل وجلست على حافة الطريق في حالة اليأس التي وجدناها عليها.
حُلّت المشكلة بأسرع ما يمكن، أوقف لها أخي سيارة أجرة ودفع لسائقها، بينما لم أزل أنا مشدوهة بتفاصيل ما حصل للتو، محاولة استيعاب الأمر الذي كان بالنسبة لي كالصدمات المتتابعة.
جسدي كان مقشعرًّا بلا سبب، حاولت أن أساعد ببحث إكتروني عن ذلك الفندق، لكن لم أستطع، كنت أرتعش، ولم أستطع أن أفيق من دهشتي.
بدا كل شيءٍ سريعًا جدًا.
وأخيرًا، ركبت العجوز السيارة، بعد أن ودعتنا بدعائها لنا بالتوفيق، بدت وكأنها تمنت لو أن بوسعها قول المزيد، ولكنها كانت منهكة جدًا.



أحسسنا بثقل رهيب في الجوّ، الذي كان قبل لقائنا بتلك العجوز، يسوده الضحك والمرح.
حاولت كسر هذا التوتر الذي لم نستطع إنكاره في داخلنا: “أنا بطلة! لتعرفوا أن للمجانين فائدتهم في هذي الحياة!”.
تجاوبوا معي بضحكات مصطنعة، لأن ما حدث كان محزنًا جدًا، كفيلًا بجعلنا جميعًا نشعر بذات الثقل في صدورنا، النابع من الإحساس بالمسؤولية تجاه تلك العجوز المسكينة.
 كان مصيرها يعتمد على ثقة أحدنا بذلك الإحساس القويّ الذي تشاركناه، وكنت أنا من نلت شرف البطولة، باندفاعي الذي غالبًا ما يسمى طيشًا أكثر من الشجاعة.
انجرفت مع ما كنت متأكدة جدًا من أنه سخيف، لكن اقتناعي بأن دوري في الحياة هو دور المهرج السخيف، كان دافعي الوحيد لاتخاذي لتلك الخطوة.
ما دفعني للتساؤل عما إذا كنتُ فعلًا سخيفة، وعن منبع هذا الإحساس بالسخف.


وأدرك الآن أني كنت أحاول جاهدة، التجرّد من كل أحاسيسي التي ظننتها تبدي ضعفي، وكنت أفضل أن أُعزي الأسباب دائمًا إلى قوانين فيزيائية فقط، لكي لا أبدو بنفس السخف الذي أخبئ شعوري به، ناكرة لتلك المشاعر اللحظية التي حركتني، تلك التي كأنها ضربٌ من الحب، ومتجاهلةً وَثَبَات قلبي الذي كاد يقفز من مكانه. لم أكن أجرؤ عن التحدث عن كل ذلك، إلا استهزاءً جارحًا في شخصي أنا فقط.
وأتذكر أني لا أحب المهرجين لأنهم ينسلّون من كرامتهم لأجل الحصول على المال، فأنا مثلهم، إلا أنني أتنازل عن الكثير وأنا أتساءل “علام سأحصل بالمقابل؟”.
عاطفتي التي لطالما كانت قوتها غريبة، أردت إخفاءها وردمها تحت التراب، وصوتها لا يكفّ يصلني، محبطًا جميع محاولاتي.
لم أدرِ حقًا ماهي العاطفة، ولم يسومها الجميع بالسوء، ويقل بسببها احترام العالم للأنثيات، لكن هذا الأخير، كان هو السبب وراء كل ما أشعر به من تهديد وقلق.
القدرة على الحب بلا شروط، والعطاء بلا اعتبار للكرامة، والذوبان المُنسي للعزة.
الحب هو الأقوى دائمًا، ودائما ما يُجابه القويّ بالقمع، رهبة منه، لا إشارةً لسوئه.


كان شخصُ -يشكّل جزءًا من قلبي- يمرّ بأسوأ مراحل حياته، يائسًا محبطًا مكتئبًا. كلمااقتربت منه، قابلني بقسوة لم يعاملني بها أحد قبله، ولكنّي في غمرة ذلك الذلّ، كنت أستطيع بجهد، أن أقول له “اشتقت إليك، واشتقت إلى حديثك ومزاحك معي”، وأستبدل بتلك الكلمات، جوًّا مشحونًا بالكراهية، بآخر ملأته توترًا وانزعاجًا، وهو بالنسبة لي خير مما سبقه.
مهما كانت كلمات كلتلك تشكل لي تحدياتٍ متهورة وسخيفة، إلا أنها كانت تزيح ثقلًا كان يكتمني ويمنع عني الهواء، وكأن جبال مكة مستقرة على صدري.
فحين نرغب بالتنفس، سنبذل كل الجهد لتستوعب الرئتان أي غاز حولنا، مهما اشتدّت سُميّته.
أقنعت نفسي أن هذه المخاطرات وهذا النوع من التعبير عن المشاعر، هو مجرد تدريب لي على مواجهة نفسي التي لم أتقبلها يومًا.
لطالما حاول الأغلبية قمع هذا الجمال النابع بصدق من داخلنا، الأب لا يحتضن ابنه، الأم لا تقبّل أبناءها.
وكأن هناك روحٌ شريرة تدور بيننا وتحثنا على التخلص من تلك المشاعر النقيّة، وعلى ملء صدورنا بالكبرياء والجشع، فنكتفي بالكتمان على حب من نتمتع بضمان قربه الدائم منّا، ونحرمه من السعادة بما نحس تجاهه من جمال العالم المتلخّص بكلمة "حب"، متناسين أن قربه لن يدوم جميلًا كمان عهدناه، ما لم نغذيه بعطف غير منقطع.
وبكل هذه الأفكار تحوم فوق رأسي، تجددت عزيمتي، وبتّ أتابع إرسال الرسائل البسيطة المحتوية في الغالب، على كلمة واحدة، هي "أحبك"، في كل مرة شعرت فيها بالحب نحو ذلك الشخص الذي لم يكفّ عن الابتعاد، ومحاولة دفعي بعيدًا عنه.
كان يصرّ على معاملتي كغريبة، وأصرّ أنا على تجاهلي لتفاهته، وأطلب منه مشاركتي له في طعامه، ولا أمتنع عن الضحك عليه إن تعثر في طريقه وكاد يقع.
وفي كل مرة  حاول فيها جعلي أكرهه أكثر، كان يزداد ضعفًا حين يجدني لا أبرح مكاني، متشبثة بحبي له أكثر.
لا ينقطع اتصالي به، لا تهمني عادته في إقفال الخط وانا لم أنه كلامي، أو لم ابتدئه حتى، ولا أنساه في عيد الحب كذلك، لا هو، لا صديقاتي، أفراد عائلتي، ولا أي شخص أحب وجوده في حياتي.
أظلّ أذكرهم بأن حبي سيظل يتأجج كنار لا تخمدها مياه المحيطات ولو صبت جميعها عليّ دفعة واحدة.
استمرّ ذلك الشخص في حزنه الشديد وقسوته على نفسه، ما يقارب العامين، حتى دخلت أنا نفس عالمه الكئيب، بظروف محيطي وأسبابي الخاصة.
وأجده فجأة يتصل بي، مستعدًا لانتشالي من ذلك الحزن العميق. دعاني إلى مقهى، أمضى معي ما يقارب الثلاث ساعات، تجاذبنا فيها مختلف أطراف الحديث. لم أستطع يومها تذكر آخر مرة رأيت فيها ابتسامته، كدت أنسى جمالها، عفويتها وسرعة قبولها في قلوب الناظرين.
كنت أحتمل قسوته بصمت وضعف بالغ، لكن حبي يجعل كفة الميزان ترجح بي، فأفوز رغم ضعفي.



الحب يجعلنا أقوياء، الحب هو القوة العظمى.
الحب أقوى من أن يُتجاهل ويطرد من حياتنا، فبغيابه عنها، تنقلب جحيمًا.
سأترك عادتي في البحث عن أقنعة تغطيني وعاطفتي، لأنها لا تكاد تثبت، حتى تسقط مستسلمة في وجه هذه القوة البديعة التي أودعها الله فينا.
النصر دائمًا سيكون من نصيب الحبّ، لأن الحبّ شجاعة.
الحبّ لا يشوهنا، بل يظهر فينا جمالًا نخافه، ونحسبه يؤذينا.




وأخيرًا..
في الحديث عن الحُبّ..
أريد أن أقول لك أبي، أنّي أحبك.
وأنّي آسفة حتى الموت، على كل لحظة حبّ أجّلت إفصاحي لك عنها، لمجرد أني كنت خائفة... خائفةٌ جدًا.
الحبّ لا يكون قاسيًا، إلا عند إنكاره..

الله يرحمك ويغفرلك يا أبويا 


Links to this post
تظهر لي "أنا" مجددًا، كمشكلة!
الكثير مني غير مفهوم، وطريقي للوصول إليّ شاقّ ومتعب،
بداخلي أصوات كثيرة وفوضى وعشوائية،
لا أكاد أحتمل ما يحيط بي من أصوات وحركة، لأن ما بداخلي يستنفد كل صبري.
من أنا؟ لم تعد صورتي واضحة بالنسبة لي.
بمن أقتدي؟ وإلى ماذا أطمح؟
 أنا كما الآخرين بالضبط،
إلا أن دافعي هو الكره والذعر،
وعواقبي هي الحقد والاستحقار،
فهل سيكون مرادي بمتناولي مع أفكار كهذه؟
وكيف لي أن أتخلى عنها، وقد أصبحت تشكل الجزء الأكبر مني.
أتعلم من الحياة بالطريقة القاسية دومًا، بسبب عنادي.
وأقسو بدوري في الشد على بنائي الهش،
لكن لا فائدة حتى الآن.
ولم تكن لتسمى قسوة حتى، وإنما هي تكرار لما هو اعتيادي وممل جدًا، لكن وسط بيئة ذاتية قاتلة.

ترهقني هذي الأنا،
كل شيء يستفزني لأكرهها أكثر،
ولا شيء يجعلني أتقدم،
لا شيء يتغير،
سوى أنني أموت ببطء..
Links to this post