في أفضل أحواله سيكون في أسفل قائمة الأولويات. ويا له من محظوظ إن تسنّى له الوصول لهذا القاع، فهو أفضل قاعٍٍ يجده على أية حال، فلا سعة له أن يتكبّر أو يتخيّر.
إذا اضطر لمحادثة شخص آخر عن طريق اتصال هاتفيّ، سيحتاج إلى وسيط، وهو شخص آخر يتصل بذاك الشخص الأول، حتى يقنعه بالإجابة على المكالمة الهاتفيّة.
لا أحد يفتقده إن سافر، مرض، ضاع في مكان ما، اعتُدي عليه. ولن يتفقّده أحد كذلك.
لا يتلقى أي سؤال عن حاله. قد يربّي حيوانا أليفا ليقتات على ما يجده منه من ما يشبه الاهتمام. عالأقل هناك من يحتاج إليه حتى وإن كانت مصلحة الإطعام.
وعند زيارته للبحر ليتقيأ فيه أحزانه، يقلّب البحر أمواجه سريعا كصفحات من كتاب. إنه يخبره أن عليه أن يتجاوز.
"أليس هذا تجاوزا أن جئت لزيارتك يا بحر؟ لكنّي أسامحك لأنك لا تعلم كم تكبّدني من عناء لأغادر فقاعتي، سريري، ورأسي الممتلئ بالشياطين".
تتكرّر عليه هذي الكلمة من أي مستمع غريب يتحادث معه لأول مرة ليفصح بكل أسراره حتى يثبت له استحقاقه للحب والاحترام ، والأهم من ذلكما بكثير… المرئية.
قد يجد معالجا نفسيا يدفع له أجرا ماديا في عيادة حتى يسمع ترهات يومه التي لا تهم أحد. ويردّ عليه المعالج: "لسنا هنا لمجرد تبادل الأحاديث، لنركّز على الحلول"، تتسع عيناه ويطأطئ رأسه خجلا، فهذا المعالج هو فرصته الوحيدة في محادثة بشريّ.
"أتجاوز بماذا؟" يتساءل.
"أيمكن استبدال هذا الماضي بالخواء؟ لا بد وأن يحلّ مكان ذكرياتي البائسة بعض ذكريات جديدة عالأقلّ. حتى أتمكّن من التوقف عن اجترار هذا الألم"
ربما أصبح الألم هوّيته، لا يمكنه اقتلاعه لأنه سيجعله ينتهي. سيطير هذا (اللا مرئيّ) في الهواء ويبتخّر.
أليس بكافٍ أنه لا يُرى بالأساس؟
ذهب إلى كافة الأندية ومارس كل أنواع الرياضة، ومد يد العون لأي محتاج في طريقه وشق سبل العلم كلها. لكن لا زال خفيا لا أحد يراه.
لن يتصل به أحد ليبارك له انجازاته لأن لا أحد يأبه بها ولا يكترثون بمعرفتها.
يطلبون منه أن يغرب عن وجوههم، بينما هو مشرق جدا وضحوك ومبتسم ومليء بالحياة.
يبدو صحيا وعاديا وهو يتناول قهوته برضى وسلام ووجهه يوحي بالتفاؤل وأناقته مهذبة.
يبتسم حتى وهو يهدر دماءه ويقطع من لحمه تبرّعات لكل من لا يهتم لأمره. لعلّه يموت على الأقلّ، هذا سيضمن له الراحة بكل تأكيد.
له صور جميلة في هاتفه النقّال..
لكنه حينما ينظر إلى المرآة، لا يجد لنفسه أي انعكاس.






