أخبرني معلّمي الطبيب بأن عينيَّ ليستا متطابقتَي الشبه، ذعرتُ عدة أيام وأنا ألاحظ الاختلاف بين عينيَّ في المرآة حتى كدتُ أشد شعري من رأسي اقتلاعا. وقمتُ بحجز موعد للعملية التجميلية. حتى استوقفتني نفسي اللوامة: لستُ أنا من يلجأ لتعديلات بشرية لصنع الخالق الأعظم، بارئ السماوات والأرض، هذا تعدٍّ بالتحدي. حاشاه جل في علاه.
كما اكتملتْ لديّ عدة مجموعات من الألعاب التي تُشترى وهي مخفيّة من أجل الوصول لتحقيق الإثارة وحس المفاجأة. حصلتُ عليها كلها بصدفة لم تتكلف أي عناء مني. بل برحمة الله وحده.
كذلك تمكّنتُ بصحة جسدي من ممارسة رياضات عدة. وفي كل مرة يشيد بي المدرّبون بأني فُقتُ التوقعات. برحمة الله ورأفته وحده.
وعند ما تُمنع عنّا رغباتنا السخيفة، نغفلُ عن كثير مما اعتادت ألسنتنا ترديده: “خيرة”. وما أشدّ اندهاشنا عندما نجد ما قلناه وردّدناه يتحقّق وكأننا كنّا نقولها كذبا.
وهذا لا يُديننا كمخطئين، بل هي هي طبيعتنا البشريّة التي جُبلنا عليها؛ جزوعين عندما يمسّنا الضرّ ومنّاعين إذا مسّنا الخير.
كانت تتراءى لي السنون عجافًا وكأنني أتجرّع السموم يوما بعد يوم. تتثاقل الأوقات على رأسي ثانيةً تلو الثانية.
وأيقنتُ أن عقلي هو السبب في كل ما أعيشه، أكان ملبّدا بغمام أسود، أو كان مشرقا وصافيا وواضحا.
هذا العقل له مفاتيح تبقيه تحت السيطرة والتحكّم، وما هي تلك المفاتيح بذاك اللغز العظيم.
لقد سلمنا الله كل أدوات النجاة في هذه الدنيا ولم يتركنا وحدنا دون دليل، حتى إنه سبحانه حفظ الدليل في صدورنا إلى يوم الدين.
القرآن الكريم دليلنا، والصلاة خريطتنا.
لطالما تذمّرتُ من ابتلائنا بالتواجد في هذه الدنيا دون خيار الانسحاب، ولطالما حسدتُ بني إسرائيل الذين أُتيحت لهم رفاهية الانسحاب بقتل أنفسهم.
ولطالما طرحتُ الأسئلة الخاطئة ولم أفهم قطّ لِمَ هي خاطئة، سالكةً الدرب المعاكس والطريق المنحدر إلى السقوط.
لكن اليوم، وخاصة بعد أن تنبّهتُ لوجود عدة شعرات بيضاء برأسي قد تجاوزت في طولها نهاية ظهري..
أستطيع بفخر الكبار أن أجاهر مدّعيةً أني قد سبرتُ بعض أغوار هذه الحياة التي تعقّد واشتبك عليّ فهمُها لمدة طالت فحسبتُها لن تنتهي، تخبّطتُ فيها كثيرا واحتملتُ آلامها وحملتُ ندباتها واستمرّيتُ أحاول وأفشل، وأدور في دوائر تبتدئ حيث تنتهي.
وأحسبُ أني نجوتُ حيث إني تزوّدتُ بزاد التقوى، لن أتبجّح بالزهد والورَع، وليس ذلك لأني لم أتحلّ بهما، ولا لأني أخجل من حبي لله سبحانه وتعالى، ولكنّي أخجل وأخشى أن يدخل شيءٌ من الكِبر إلى قلبي. وأعود وأستجمع جرأتي للاعتزاز بهذا الشعور القوي بانتسابي إلى الله كأمَته المسلمة.
وعلى أية حال، أتأمّل كامل خطّ حياتي الزمنيّ وأزداد إيمانا وفخرا وثقة بأن الله يختار لنا الأفضل دائما، في عقابنا وابتلائنا قبل إكرامنا، هذه هي الرعاية الإلهية في أبهى صورها، في سبع عجافنا وفينا نحصد من زرعٍ دأبا.
علينا فقط أن نكرم أنفسنا بالارتقاء فكرًا عن كل ما يشدّنا للحزن، ونسمو للصورة الأكبر والحقّة وهي أن الله معنا.
اليوم أرى بوضوح كم يرحمنا الله ويكرمنا، وكم نردّ على عطائه بالجحود والسخط ولا نرضى حتى يتحقق لنا ما نطلب، وننسى ما رُزقنا دون طلب.
إن الله إذا أعطى أدهش وإذا جبر أبهر.
ولن أخفي شعوري بالخزي إذ لم تحثّني يدي على كتابة كل هذا إلا في أقصى سعادتي ورخائي وهدوئي.
اللهمّ إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحوّل عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك يا الله.
يبدو لي سخيفا جدا ما مضى، وأتساءل لِمَ كنتُ أحزن قبل هذا؟
وأنا اليوم أعلم أن هذا بسبب غفلتي عن كل بلاء دفعه الله عني، في كل مرة نجوتُ من حادث مروريّ. وفي كل مرة لم ألتقط عدوى تفتك بصحتي وتسقطني طريحة الفراش. وفي كل مرة اشتهيتُ واشتريتُ ما يكفل لي قوت يومي وأكثر، بل وألعابا جديدة وحلوى وملابس وراحةً في تنقّل وهواء بارد أو هواء دافئ كيفما تخيّرتُ واستحببتُ. وسقف أحتمي به ولباس يسترني وأزهو به.
وفي كل رزق أتنعّم به دون شكر ودون استشعار لعظيم حب الله لنا، وفي كل مرة رأيتُ فيها الشجر والقمر والشمس والسماء بنجومها وغيومها والماء والمطر والنسائم العليلة والحيوانات وكل المخلوقات التي انتفعتُ بها حتى دون رؤية عينيَّ المجرّدة.
الحمد لله. الحمد لله. الحمد لله.
الحمد لله أننا مسلمون والحمد لله على نعمة التيه والحمد لله على الوصول بعد التيه، والحمد لله أن بلّغنا بعضًا من الهداية.
اللهم أدخلنا أعلى جنانك ومتّعنا بالنظر إلى وجهك الكريم. هذا أقصى ما نتمنى وما نريد.
ألف مبروك عليا. الحمد لله أستاهل 🥰

Comments (0)