أنت تحب النساء.

أنت تحتضن الشمس من خلفها.

وتلمّ النور فيك لتسكن السماء باحتوائك، ونورك الكامن الأسير.

ومهما كانت شمسنا غاضبة، ستطفئ أنت ذاك الغضب بحنانك.

"اهدئي يا شمس، خذي أنفاسا عميقة. أنتِ بخير، أنا هنا لأجلكِ"



أخبرني. ولن أقول لأحد سوى الجميع..

لِكم امرأة أضأت بحيرةً تحمّمَتْ بها؟

وكم حورية حاورت في غسقٍ مكتحلٍ بروعتك؟

وعلى كم ليلة حب أغدقت بنورك الهادئ؟


أنت ساحر.. 

بلا ظلّ، ناعم الحركة.

لا تستطيع أي امرأةٍ مقاومتك.

وكلهن يعلمن أنك أجمل منهنّ بسنوات ضوئية.


أنت دافئ..

لا تقول شيئا. تطيل النظر فقط، مذيبًا كل من تأمّلَتْ نظراتك.

كيف لامرأةٍ ألا تغرق بحبك هيامًا؟ 

أنت الذي تزيّنتْ بك عينا كل من استعذبَت وجودك.

ألَنتَ قلوبهن وإن كانت من حجارة. 


رقيقٌ أنت..

لن تكسر أرواح من أحببنك أبدا، يتسع قلبك للإناث جميعنّ.

تبوح لك كل النساء بأسرارهنّ ومخاوفهنّ وآثامهنّ.

أنت مستمع عطوف. 

 تستقبل صابرا مبتسما كل بكائهنّ وضحكاتهنّ مهما كانت حادّة.


ماذا عن الرجل؟ 

أنا لا أدري، انا امرأة، وعلاقتي بالقمر استثنائية.

القمر يعكس لي جمال أنوثتي.

لا أعلم بعد إن كان الرجل يحتاج القمر حقًا. 

ربما يهتم هو بالنيازك، ليستخلص منها الحديد. 

ويتمرّن بيه وكدا هههههه



في عقدي الثالث من العمر الذي قررت فيه أن أعتزل أفكار السلبية، وجّهتني جهة التطوع بالحجّ لعام ١٤٤٥ هجرية إلى سكن المتطوّعات، وهو مبنى مدرسةٍ ابتدائية.


عبرت من باب الدخول، واصطدمت فجأةً بهالة الثقل الرهيبة في الجوّ، أوقفتني منذهلة. 


إنه ممر الدخول إلى ساحة المدرسة.

هنا كنت أقف مرتعبة، ألفّ عباءة الرأس على عجل وأنا أحاول حَبك أكذوبة تأخّري على طابور ذاك الصباح، وكل الصباحات.

هنا كنتُ اتأهّب وأثخّن جلدي استعدادا للسعات مسطرةٍ عريضةٍ من خشب، يصل طولها إلى متر، لئلا ينفذ منها جلد أي طفلة. هنا كنت أندم على كل حياتي وعلى خروجي من رحم أمي.


اخترقتُ متسلحة بأعوامي الثلاثون هذه الهالة بإصرار، وحين فقأتها انتقل ثقلها مباشرةً إلى قلبي، واستقرّ هناك، حيث كل خفقة أصبحت بمثابة مشاركة ببطولة رفع أثقال.


أنا الآن في ساحة المدرسة، وأتذكّر بشكل أقوى. هنا كانت تتراصّ صفوف الطفلات وهنا كانت تُطبّق شناعة المعسكرات.

التوبيخ على لا شيء، صراخ العقد النفسية، تعنيف الأمراض العقلية.

هنا تكتسح الشمس الأرجاء، ولكنها لا تعقّم شيئا من هذه العاهات المستعصية التي تدور على صفوفنا لتتبّع هفواتنا ومن ثم تنهال جَلدًا على أذرعتنا الصغيرة.


عباراتٌ واعظة عن الموت مزخرفة على الجدران، لا شيء يمتدح الطفولة اليانعة لطالبات مدرسةٍ ابتدائية، أي شيء كحبّ سپيس تون، أيدينا الصغيرة التي تلامس النجوم على وجه المثال؟ لا. عليكِ يا طفلة بعمر الزهور، أن تتوجّسي شبح الموت.


يجب عليّ الآن أن أصعد للدور الثالث حيث سأبيت.

اتجهت للسلالم، حيث رأيت مساحة صغيرة تحتها تكفي لأقزام، فعلا كنا بناتا صغيرات بطول الأقزام. وكان احتفالنا الأخير بالتحرر من مدرسة الابتدائية في مساحة تشبه هذه تماما.

تحت السلالم كنا قد جمعنا أطباق مأكولات بسيطة، وتطفّلن علينا معلماتٍ ليرين ما أعددنا من أطباق بلا أي كلمة حسنة بل بعبارات استنقاص من فرحتنا العظيمة وأفواه مُطّت تقززًا.


أصعد السلالم، وأتذكر ضفائري. ويلي! إنها بلا شرائط، ستتنمّر عليّ طالبة النظام.


توجهت إلى الفصل الدراسيّ، كان جميلا أنيقا، لكن لا مساحة لديّ لأي فكرة إيجابية، تذكرت كيف كنّا نجمع ريالاتنا من مصروفاتنا الضئيلة التي لا تتعدى الريالان، لكي نشتري زينة الفصل، ونشترك بمنافسة ضد فصول الدراسة الأخرى، ولا نفوز ولا نُكرّم، بل نتحسّر وتنطفئ في عيوننا فرحتنا بجمال ما صنعنا بفصلنا.


أنهكتني سلبيّتي. ألقيت أمتعتي وذهبت إلى دورة المياه. 

أغلقتُ باب الحمّام. ويا له من باب..

على هذا الباب تتعرّى الطفولة على حقيقتها، 

حُفرت على الباب كل أشكال الطفولة الصادقة:

"غادة أنا أمثّل الصداقة عليكي"

"أكره فاطمة لأنها أحسن مني ف كل شي"

"بنات أنا أبيع فوتوكارد مين يبغا يشتري؟"


لعمري أنتنّ لطيفات. بحقدكنّ  وغيرتكنّ وحسدكنّ وكل مشاعركنّ السلبية البريئة.


صغيراتي، أود أن أعتذر لكنّ على كل هذه التجارب، أتمنى أن تصبحن أقوى مني 



يا ربّ، أطفولة هذه؟

أم غابة مظلمة متوحشة أخشى سبر أغوارها وأهاب وكر ذكرياتها؟