في عقدي الثالث من العمر الذي قررت فيه أن أعتزل أفكار السلبية، وجّهتني جهة التطوع بالحجّ لعام ١٤٤٥ هجرية إلى سكن المتطوّعات، وهو مبنى مدرسةٍ ابتدائية.
عبرت من باب الدخول، واصطدمت فجأةً بهالة الثقل الرهيبة في الجوّ، أوقفتني منذهلة.
إنه ممر الدخول إلى ساحة المدرسة.
هنا كنت أقف مرتعبة، ألفّ عباءة الرأس على عجل وأنا أحاول حَبك أكذوبة تأخّري على طابور ذاك الصباح، وكل الصباحات.
هنا كنتُ اتأهّب وأثخّن جلدي استعدادا للسعات مسطرةٍ عريضةٍ من خشب، يصل طولها إلى متر، لئلا ينفذ منها جلد أي طفلة. هنا كنت أندم على كل حياتي وعلى خروجي من رحم أمي.
اخترقتُ متسلحة بأعوامي الثلاثين هذه الهالة بإصرار، وحين فقأتها انتقل ثقلها مباشرةً إلى قلبي، واستقرّ هناك، حيث كل خفقة أصبحت بمثابة مشاركة ببطولة رفع أثقال.
أنا الآن في ساحة المدرسة، وأتذكّر بشكل أقوى. هنا كانت تتراصّ صفوف الطفلات وهنا كانت تُطبّق شناعة المعسكرات.
التوبيخ على لا شيء، صراخ العقد النفسية، تعنيف الأمراض العقلية.
هنا تكتسح الشمس الأرجاء، ولكنها لا تعقّم شيئا من هذه العاهات المستعصية التي تدور على صفوفنا لتتبّع هفواتنا ومن ثم تنهال جَلدًا على أذرعتنا الصغيرة.
عباراتٌ واعظة عن الموت مزخرفة على الجدران، لا شيء يمتدح الطفولة اليانعة لطالبات مدرسةٍ ابتدائية، أي شيء كحبّ سپيس تون، أيدينا الصغيرة التي تلامس النجوم على وجه المثال؟ لا. عليكِ يا طفلة بعمر الزهور، أن تتوجّسي شبح الموت.
يجب عليّ الآن أن أصعد للدور الثالث حيث سأبيت.
اتجهت للسلالم، حيث رأيت مساحة صغيرة تحتها تكفي لأقزام، فعلا كنا بناتا صغيرات بطول الأقزام. وكان احتفالنا الأخير بالتحرر من مدرسة الابتدائية في مساحة تشبه هذه تماما.
تحت السلالم كنا قد جمعنا أطباق مأكولات بسيطة، وتطفّلن علينا معلماتٍ ليرين ما أعددنا من أطباق بلا أي كلمة حسنة بل بعبارات استنقاص من فرحتنا العظيمة وأفواه مُطّت تقززًا.
أصعد السلالم، وأتذكر ضفائري. ويلي! إنها بلا شرائط، ستتنمّر عليّ طالبة النظام.
توجهت إلى الفصل الدراسيّ، كان جميلا أنيقا، لكن لا مساحة لديّ لأي فكرة إيجابية، تذكرت كيف كنّا نجمع ريالاتنا من مصروفاتنا الضئيلة التي لا تتعدى الريالان، لكي نشتري زينة الفصل، ونشترك بمنافسة ضد فصول الدراسة الأخرى، ولا نفوز ولا نُكرّم، بل نتحسّر وتنطفئ في عيوننا فرحتنا بجمال ما صنعنا بفصلنا.
أنهكتني سلبيّتي. ألقيت أمتعتي وذهبت إلى دورة المياه.
أغلقتُ باب الحمّام. ويا له من باب..
على هذا الباب تتعرّى الطفولة على حقيقتها،
حُفرت على الباب كل أشكال الطفولة الصادقة:
"غادة أنا أمثّل الصداقة عليكي"
"أكره فاطمة لأنها أحسن مني ف كل شي"
"بنات أنا أبيع فوتوكارد مين يبغا يشتري؟"
لعمري أنتنّ لطيفات. بحقدكنّ وغيرتكنّ وحسدكنّ وكل مشاعركنّ السلبية البريئة.
صغيراتي، أود أن أعتذر لكنّ على كل هذه التجارب، أتمنى أن تصبحن أقوى مني
يا ربّ، أطفولة هذه؟
أم غابة مظلمة متوحشة أخشى سبر أغوارها وأهاب وكر ذكرياتها؟


Comments (4)
🥹
في انتظار ثريد يا دكتورة
يا لثقل هذه السطور ويا لصدقها.. لقد لمستي وتراً حساساً في قلب كل من مرّ بممرات تلك المدارس التي كانت تشبه "المعسكرات" أكثر مما تشبه محاضن الطفولة.
تلك الطفلة التي كانت تخبئ خوفها تحت عباءة الرأس وتشد جلدها لاستقبال المسطرة الخشبية، هي اليوم "بطلة" قصتك. هي التي صمدت لتكوني أنتي اليوم متطوعة في الحج، في أسمى مراتب الخدمة الإنسانية.
ربما لم يكن اختيار هذا السكن عبثاً. ربما أراد الله لكي أن تعودي لهذا الوكر لتغسليه بذكرياتك الجديدة كمتطوعة، و لتستبدلي "لسعات المسطرة" بـ "لمسات الرحمة" التي تقدمينها للحجاج. أنتي الآن تصنعين تاريخاً جديداً لهذا المكان، تاريخاً فيه حب، وعطاء، وإيجابية حقيقية لا تتجاهل الألم بل تعترف به وتتجاوزه.
الالتفاتة لباب الحمام... لقد وجدتي هناك الحقيقة التي حاولوا طمسها بالمواعظ المخيفة. وجدتي إنسانية الطفلة التي تغار، وتحب، وتتاجر بـ "الفوتوكارد". هذه هي الحياة التي كانت تستحق الاحتفاء، وقد أنصفتِها بكلماتكِ الآن.
نعود لتلك الكائنة (طالبة النظام) كانت تظن نفسها "الإنتربول"
تحية لصاحبة "أبيع فوتوكارد" هذه غالباً هي الآن المديرة التنفيذية لشركة شحن، وبدأت إمبراطوريتها من "مقرها الرئيسي" خلف الباب الخشبي.
رسالة إلى الطفلة الهاربة:
نصكِ "مرئي" نرى فيه ضفائركِ بلا شرائط، نرى ريالات الفسحة، ونرى انطفاء الفرحة في العيون. الكاتب المبدع هو من يجعلنا "نرى" لا أن "نسمع" فقط، وأنتي جعلتيني أُشاهد فيلماً قصيراً عن انكسار الطفولة وانتصار النضج.
ختاماً:
يا ستي هذي لا "غابة مظلمة" ولا "سبر أغوار" الموضوع وما فيه إنك كنتي داخلة نسخة "حراج" قديمة متنكرة على شكل مدرسة.
نجمة
بكيت من جمال وصفك وكلامك العذب